قناة السويس
إن مسألة قناة السويس من أولى المسائل السياسية التى واجهت إسماعيل فى أوائل عهده بالحكم، إذ كانت أنظار الأوروبيين متطلعة إلى ما يؤول إليه مصير القناة بعد وفاة سعيد الذى عرف عنه أنه سند المشروع وقوامه، فلما مات قلق المسيو فردينان دلسبس على مشروعة، وخشى أن يكون نصيبه الإخفاق، ولكن إسماعيل باشا بادر فى ول اجتماع له بوكلاء الدول وافضى إليهم بعزمه على تأييد المشروع.
فقناة السويس يرجع إتمامها إلى تعضيد إسماعيل ورعايته، لأن سعيد باشا لم يكد يتولى المشروع فى خطواته الأولى، حتى عالجته المنية، فلولا اتجاه إرادة إسماعيل إلى تعضيد المشروع وإنفاده، لكان مصيره الحبوط لا محالة، ولعجز المسيو دلسبس عن المضى فيه، ولعل إسماعيل أراد كما أراد سلفه أن يكسب رضا الأوروبيين من أنصار المشروع، وينال إطراءهم وثناءهم، ويستحق فى نظرهم لقب "فاتح القناة"، فعضد المشروع بكل قوته، واحتمل تبعه إتمامه، كما احتمل سعيد تبعة البدء فيه والتصميم على إنفاذه.
سعى إسماعيل فى تخفيف شروط الامتياز
على أنه من الحق أن نقرر أن سماعيل باشا قد هالته فداحة المزايا التى نالتها الشركة فى عقد الامتياز، فسعى جهده فى تخفيفها، وكان من هذه الوجهة أكثر مراعاة لمصلحة مصر من عمه سعيد.
ومما يؤثر أنه قال يوما: "إنى أريد أن تكون القناة لمصر، لا أن تكون مصر للقناة" وقيل أنه فكر يوما فى أن يتولى بنفسه تنفيذ المشروع، ولو حقق هذه الفكرة لجعل القناة حقيقة ملكا لمصر، ولكنه لم يفعل، واكفتى بالاعتراض على أوجه أربعة من شروط الامتياز وسعى فى إبطالها.
تحكم نابليون الثالث
 وقد اشتد الجدل حول مطالب إسماعيل، وهبت الصحف والدوائر السياسية والمالية فى فرنسا للدفاع عن شروط العقد، والمعارضة فى إبطالها، وارتضى الخديو أخيرا تحكيم الإمبراطور نابليون الثالث إمبراطور الفرنسيس، للفصل فى النزاع، فكان هو الخصم والحكم، لما كان معروفا عنه من تأييده للشركة، وعطفه على المسيو فردينان دلسبس، ويرجع هذا العطف إلى أن المشروع فى ذاته عظيم النفع لفرنسا، وإلى ن دلسبس يمت إلى الإمبراطور أوجينى بصلة قرابة بعيدة.
وبعد هذا الحكم من الأحكام الجائزة فى التاريخ، لأنه بنى على أسباب لا يسيغها عدل ولا منطق، فقد ألزم الإمبراطور نابليون الثالث الحكومة المصرية بتعويض عن أمور ثلاثة.
والخلاصة: أن مصر خرجت من هذا التحكيم بصفقة المغبون، وعدت الشركة حكم الإمبراطور فوزا مبينا كفل لها إتمام المشروع على حساب مصر، فلا غرو أن وصفه المسيو فردينان دلسبس بأنه "السند الأساسى للشركة ووثيقة الكفالة والأطمئنان لها"، وكذلك كانت مراحل المشروع منذ البدء فيه إلى ما بعد إتمامه شؤما ووبالا على البلاد.
وغنى عن البيان أن الحكمة كانت تقضى بألا يتورط الخديو إسماعيل فى مثل هذا التحكيم، الذى جر مصر هذه الخسائر الجسيمة، ولو أنه استمسك بشروطه ولم يقبل تحكيما لما استطاعت الشركة أن تخطو خطوة فى العمل، إذ كان كل شئ معلقا على الأيدى العاملة المصرية، ولولا تلك الأيدى النشيطة القوية، لوقف المشروع وقضى عليه بالحبوط، دون أن تحرك مصر ساكنا، ولكن شاء جد مصر العاثر أن يركن إسماعيل إلى "العدالة الأوروبية"، فوقع على يدها ما رأيت من الظلم والاعتساف.
انتهاء العمل وافتتاح القناة
) نوفمبر سنة 1869 (
وانتهى العمل فى حفر القناة واتصلت مياه البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر فى نوفمبر سنة 1869، فكأن العمل قد استمر عشر سنوات، وبلغ طول القناة 164 كيلو مترا، وأنشئت على شاطئها مدينة بور سعيد ومدينة الإسماعيلية، وافتتحت القناة للملاحة يوم 17 نوفمبر سنة 1869.
وأقام إسماعيل لمناسبة افتتاح القناة تلك الحفلات الفخمة التى لم يعرف التاريخ احتفالا يدانيها فى الإسراف والتبذير.
ويكفيك دليلا على مبلغ الإسراف أن تعرف نفقات الحفلات، فقد بلغت على أصح تقدير 1,400,000 جنيه، ولا يوجد حكومة رشيدة تكلف خزانتها هذا المبلغ الضخم يضيع فى حفلات لا طائل لها فى الوقت الذي استهدفت فيه الحكومة والبلاد لأشد ضروب الضيق المالى.
خسائر مصر المالية فى إنشاء القناة
يقدر مؤلف "تاريخ مصر المالى" ما خسرته مصر فى إنشاء القناة، من ثمن أسهمها فى الشركة، وما بذلته لها من التعويضات، وما دفعته فى إنشاء ترعة الإسماعيلية، واسترداد أطيان الوادى، ونفقات حفلات القناة بمبلغ 16,800,00 جنيه.
بيع أسهم مصر فى القناة
كان لمصر من أسهم شركة القناة 176,602 سهما، وهو مقدار عظيم يكاد يساوى نثف أسهم الشركة، لأن مجموع الأسهم 400 ألف سهم.
وقد اكتتب فيها سعيد باشا واشتراها بمبلغ 3,426,000 جنيها، ولا ريب أن امتلاك هذا المقدار من الأسهم كان من شانه أن يجعل لمصر شيئا من الهيمنة على الشركة وإدارتها، ويخولها حق التدخل فى شئونها، كما أنها مورد أرباح وفيرة تعود على الخزانة المصرية بأنفع الثمرات، وخاصة بعد تقديم أعمال الشركة وارتفاع أسهمها بدرجة فاقت كل تقدير.
ولكن إسراف إسماعيل أبى إلا أن يحرم مصر هذه الثروة الضخمة، ففى سنة 1875 أخذ معين من المال ينضب بين يديه، بعد القروض الباهظة التى استدانها، والأعباء الجسيمة التى ناءت بها الخزانة، ففكر فى بيع أسهم مصر فى القناة وعرضها فعلا للبيع.
وقد بدأ بعرضها على فرنسا، فترددت فى الأمر، ولكن الحكومة الإنجليزية ما لبثت أن علمت بالمسألة حتى بادرت بشرائها، لأنها وجدت فى هذه الصفقة فرصة سائحة لوضع يدها على القناة فاشترت هذه الأسهم بثمن بخس أربعة ملايين من الجنيهات الإنجليزية، وبهذه الصفقة أضاع إسماعيل على مصر الميزة التى بقيت لها من مشروع القناة.
خسائر فادحة
وقد بلغت قيمة هذه الأسهم ) فى سنة 1929 ( 72 مليون جنيه، وربحت منها الخزانة البريطانية إلى أواخر )سنة 1929( 38,600,00 جنية، ومجموع ذلك نيف ومائة مليون جنية وعشرة ملايين من الجنيهات، أى خسارة مصر من هذه الناحية بلغت إلى تلك السنة
110,000,000 – 4,000,000  = 106,000,000 جنية.
وثمة خسارة أخرى أصابت مصر إذ تنازلت عن 15 فى المائة من أرباح القناة التى كانت تؤول لها بمقتضى عقد الامتياز، تنازلت عن هذه الحصة بسبب قروض إسماعيل مقابل 22 مليون فرنك أى 880,000 جنية، وقد بلغت قيمة هذا النصيب الأن )سنة 1932( نحو 20 مليون جنية، وهو يغل إيرادا لا يقل عن 869,000 جنية فى السنة.
وهذه الأرقام تدلك على مبلغ ما أصاب مصر فى الصفقتين من الخسران المبين.
16 نوفمبر سنة 1968: انتهاء الامتياز وعودة القناة إلى مصر.
26 يوليو 1956: تأميم قناة السويس  "جمال عبد الناصر" .

Comments